|
أوراق نائم إقليمي
انتهت فترة
نيابته منذ أسبوع. لم يشعر بهذه الراحة و الرضا عن عمله من قبل. جالسا أمام
حاسوبه المتواضع شكلا و أداء،راح يتذكر كل ما مر من أحداث و وقائع.
كانت البداية
بتكليف إجباري للقيام بمهام نائب إقليمي، و لم يكن له سبيل للتملص من هذه
المسؤولية. مباشرة بعد تعيينه بثلاثة أيام، صار يعرف جميع موظفي نيابته؛
معاناتهم، مشاكلهم، حيلهم، أسلوب تعاملهم، بل حتى المجد منهم و المتقاعس عن
عمله. تعرف إلى دور النيابة في المنظومة التربوية و في المجتمع، بالإضافة
لعلاقاتها المتنوعة بالإقليم. ثلاثة أيام أخرى كانت كافية له لإعداد خطة
عمل هدفها العمل على تحسين مردودية الموظفين و إعطاء القدوة لمختلف
النيابات في تدبير الشؤون النيابية، مع جعل النيابة مركز إشعاع ثقافي و
تربوي مميز. وانطلقت الخطة.
كان الدخول
المدرسي كالمعتاد يعرف مشاكل تعيق الأطر التعليمية، و كان على نائبنا تحمل
كل الشكاوي المقدمة و التعليقات الجارحة بامتعاض من جهة، و تطبيق خطته
السرية دون علم الآخرين من جهة ثانية. مواقف عصيبة مر بها قبل أن تنجح
مقومات خطته نجاحا تجاوز المتوقع. و انطلقت بعد ذلك الخطوة التالية؛
التغيير.
في أحد
الاجتماعات، كشف للموظفين ما ينوي فعله بالنيابة، فكان رد فعلهم السخرية و
الرفض، إلا أنهم غيروا رأيهم مباشرة بعد أن قدم لهم أحد أوراقه للضغط
عليهم.
تحول العمل إلى
عبادة لدى بعضهم بعد الاجتماع، و صارت النيابة تقدم الخدمات الإدارية بشكل
مبهر للأساتذة و المديرين، فتحقق بذلك الشطر الأول من مهمة النائب.
بعد ترتيب
البيت النيابي، توجه نائبنا إلى مشكل التعليم و جودته في خضم الإضرابات
المتتالية التي تقودها النقابات التعليمية، و استطاع بحنكة تحويل توجه
النقابات إلى تكوين الشغيلة التعليمية.
أما فيما يخص
الأساتذة، فقد كان تعزيزه للعلاقات المباشرة مع جمعيات آباء و أولياء
التلاميذ دور كبير في تقويم سلوكات المدرسين و فرض الرقابة عليهم بشكل دائم
و مستمر، و تحسين مردود يتهم، كما أنه كان يزودهم بالوسائل التربوية
الكفيلة بتقديم النفع للمدرس و التلميذ كليهما.
كان الشطر
الأخير و الحساس متعلقا بعلاقة النيابة مع فعاليات المجتمع المدني و
السلطة، حيث كان تأثير الضغوط الخارجية على السير العادي للتربية و التعليم
بالإقليم كبيرا و قويا، نظرا لتفشي ظواهر الرشوة و المحسوبية و الوساطة...
إلا أن النجاح في بداية الخطة ساعده لتجاوز بعض هذه الضغوط، و الاصطدام مع
غيرها.
كان إيمانه
قويا للوصول إلى غايته؛ تنظيم ندوة بمشاركة فعاليات تربوية مرموقة على
الصعيدين المحلي و الوطني، و كان له ذلك في ختام فترته النيابية.
لن ينسى ذلك
اليوم، حين قدم للملإ كل أسرار خطته، و كشف كل أوراقه التي كان يلعب بها
بشكل دبلوماسي لا يمكن معه إفشال النتائج و المكتسبات التي حققها بالنيابة
سابقا في فترة لاحقة بعده.
شكلت هذه
التجربة التي شهدها ذكريات صعبة النسيان. أطفأ شاشة الحاسوب، و استلقى على
فراشه، ثم نام.
كان نائبا و
الآن أصبح نائما !
نوما هنيئا و أحلاما وردية سيدي النائم !
نعاس الرحمة و العفو!
|